محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثنا مهران ، عن سفيان مِنَ الْمُعْصِراتِ قال : المعصرات : السحاب . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ يقول : من السحاب . حدثني علي قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع الْمُعْصِراتِ السحاب . وقال آخرون : بل هي السماء . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، قال : سمعت الحسن يقول : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال : من السماء . حدثنا بشر . قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال : من السماوات . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال . من السماء . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أنه أنزل من المعصرات ، وهي التي قد تحلبت بالماء من السحاب ماء . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن القول في ذلك على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرت ، والرياح لا ماء فيها . فينزل منها ، وإنما ينزل بها ، وكان يصح أن تكون الرياح ، ولو كانت القراءة : " وأنزلنا بالمعصرات " فلما كانت القراءة : مِنَ الْمُعْصِراتِ علم أن المعنى بذلك ما وصفت . فإن ظن ظان أن الباء قد تعقب في مثل هذا الموضع من قيل ذلك ، وإن كان كذلك ، فالأغلب من معنى " من " غير ذلك ، والتأويل على الأغلب من معنى الكلام . فإن قال : فإن السماء قد يجوز أن تكون مرادا بها . قيل : إن ذلك وإن كان كذلك ، فإن الأغلب من نزول الغيث من السحاب دون غيره . وأما قوله : ماءً ثَجَّاجاً يقول : ماء منصبا يتبع بعضه بعضا ، كثج دماء البدن ، وذلك سفكها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ماءً ثَجَّاجاً قال : منصبا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ماءً ثَجَّاجاً ماء من السماء منصبا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ماءً ثَجَّاجاً قال : منصبا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ماءً ثَجَّاجاً قال : الثجاج : المنصب . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع : ماءً ثَجَّاجاً قال : منصبا . حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا مهران ، عن سفيان ماءً ثَجَّاجاً قال : متتابعا . وقال بعضهم : عني بالثجاج : الكثير . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ماءً ثَجَّاجاً قال : كثيرا . ولا يعرف في كلام العرب من صفة الكثرة الثج ، وإنما الثج : الصب المتتابع . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أفضل الحج العج والثج " : يعني بالثج : صب دماء الهدايا والبدن بذبحها ، يقال منه : ثججت دمه ، فأنا أثجه ثجا ، وقد ثج الدم ، فهو يثج ثجوجا . القول في تأويل قوله تعالى : لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً . . . فَكانَتْ أَبْواباً يقول تعالى ذكره : لنخرج بالماء الذي ننزله من المعصرات إلى الأرض حبا ؛ والحب كل ما تضمنه كمام الزرع التي تحصد ، وهي جمع حبة ، كما الشعير جمع شعيرة ، وكما التمر جمع تمرة . وأما النبات فهو الكلأ الذي يرعى ، من الحشيش والزروع . وقوله : وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً يقول : ولنخرج بذلك الغيث جنات وهي البساتين ؛ وقال : وجنات ، والمعنى : وثمر جنات ، فترك ذكر الثمر